تأمين السفن في هرمز: تكاليف قياسية وحادث جديد يضرب الملاحة
تقرير شامل عن ارتفاع تكاليف تأمين السفن في مضيق هرمز بعد حادثة اصطدام سفينة بمقذوف مجهول، مع بيانات دقيقة عن رسوم التأمين وتراجع حركة الملاحة.
تأمين السفن في هرمز أصبح عبئاً مالياً متصاعداً على شركات الشحن العالمية، بعدما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن حادثة جديدة تمثلت في اصطدام سفينة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز فجر اليوم الأحد. الحادث، الذي لم تتضح بعد ملابساته الكاملة، يضاف إلى سلسلة وقائع أمنية رفعت تكاليف التأمين إلى مستويات غير مسبوقة.
الأرقام الرسمية: كم يكلف تأمين سفينة عبر هرمز؟
بيانات سوق التأمين البحري، المستندة إلى تقارير خدمة ذا إنشورار التابعة لوكالة رويترز، تشير إلى أن رسوم التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة لمضيق هرمز تتراوح حالياً بين 7.5 و12.5 في المئة من قيمة السفينة. قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي، كانت هذه الرسوم تتراوح بين واحد وثلاثة في المئة فقط.
هذا الارتفاع الهائل يعني أن تأمين ناقلة نفط عملاقة تقدر قيمتها بمئة مليون دولار قد يكلف ما بين 7.5 و12.5 مليون دولار لرحلة عبور واحدة. بعض المصادر في سوق التأمين تشير إلى أن الأرقام وصلت إلى 14 مليون دولار في بعض الحالات، وهو ما يجعل العبور عبر هرمز غير مجدٍ اقتصادياً لكثير من الشركات.
تأثير الحادث الأخير على سوق التأمين
حادثة الاصطدام الأخيرة ستضيف ضغطاً إضافياً على سوق التأمين البحري. فمن المتوقع أن تعيد شركات التأمين تقييم مخاطرها، وأن ترفع الأسعار مرة أخرى، وأن تفرض شروطاً أكثر صرامة على السفن التي ترغب في العبور. بعض الشركات قد تنسحب تماماً من تغطية مخاطر هرمز، كما فعلت عدة شركات خلال الأشهر الماضية.
الانخفاض الحاد في حركة الملاحة البحرية يؤدي أيضاً إلى تقلص قاعدة المخاطر، ما يرفع الأسعار أكثر. فكلما قل عدد السفن العابرة، قل توزيع المخاطر، وارتفعت التكلفة على السفن المتبقية.
بيانات حركة الملاحة: تراجع غير مسبوق
بيانات تتبع الملاحة البحرية تكشف عن تراجع حاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز. في الأيام العادية قبل الحرب، كان يعبر المضيق نحو 120 إلى 125 سفينة يومياً. حالياً، انخفض هذا الرقم إلى سبع سفن فقط في بعض الأيام، وبمتوسط لا يتجاوز 15 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة الأخيرة.
هذا التراجع يعكس عدة عوامل مترابطة. أولاً، الخوف من التعرض لهجمات، خاصة بعد تكرار حوادث استهداف السفن. ثانياً، ارتفاع تكاليف التأمين الذي يجعل العبور غير مربح. ثالثاً، القيود التي تفرضها القوى العسكرية على توقيتات العبور، حيث تحدد الولايات المتحدة نوافذ زمنية معينة للسفن التي ترغب في الحصول على حماية عسكرية.
التأثير على سلاسل الإمداد العالمية
تراجع الملاحة عبر هرمز له تأثير مباشر على سلاسل الإمداد العالمية. فالمضيق ليس مجرد ممر للنفط، بل هو أيضاً ممر حيوي للغاز الطبيعي المسال، والأسمدة، والحبوب، والسلع المصنعة. أي اضطراب طويل في الملاحة يعطل هذه السلاسل ويرفع تكاليفها.
بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن حركة الملاحة عبر هرمز انخفضت إلى عشر مستوياتها المسجلة قبل الحرب. هذا الانخفاض الهائل يعني أن كميات ضخمة من السلع لم تعد تصل إلى أسواقها في الوقت المحدد، ما يسبب نقصاً في المعروض وارتفاعاً في الأسعار.
خيارات شركات الشحن: بين المخاطرة والتوقف
شركات الشحن العالمية تواجه خيارات صعبة. الخيار الأول هو الاستمرار في العبور عبر هرمز مع تحمل التكاليف المرتفعة والمخاطر الأمنية. الخيار الثاني هو البحث عن مسارات بديلة، لكن هذه المسارات إما غير متاحة أو تضيف أياماً وأسابيع إلى مدة الرحلة وتكاليف باهظة.
الخيار الثالث، الذي تلجأ إليه بعض الشركات، هو تعليق رحلاتها عبر هرمز تماماً حتى يستقر الوضع. هذا الخيار يحمي السفن والطواقم، لكنه يحرم الشركات من إيرادات كبيرة، ويضغط على أسواق الطاقة العالمية.
دور الحكومات والمنظمات الدولية
الحكومات والمنظمات الدولية تبحث عن حلول للتخفيف من أزمة التأمين. الولايات المتحدة أعلنت عن برنامج لتوفير ضمانات تأمينية للناقلات التي تعبر هرمز تحت حمايتها العسكرية، بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار. هذا البرنامج يهدف إلى تشجيع السفن على العبور، لكنه يواجه انتقادات بأنه يحول المخاطر التجارية إلى عبء على دافعي الضرائب.
المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة دعت إلى تعزيز التعاون الدولي لضمان حق المرور عبر هرمز. لكن هذه الدعوات تبقى حبراً على ورق في ظل استمرار الصراع وغياب الإرادة السياسية للتوصل إلى حل.
الآفاق المستقبلية: هل هناك ضوء في نهاية النفق؟
مستقبل تأمين السفن في هرمز يبقى مرهوناً بتطور الأوضاع الأمنية والسياسية. إذا نجحت المساعي الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق يضمن مروراً آمناً، فإن أسعار التأمين قد تبدأ في الانخفاض تدريجياً. لكن إذا استمر التصعيد، فإن الأسعار قد ترتفع أكثر، وقد تصل إلى مستويات تجعل العبور عبر هرمز شبه مستحيل لمعظم السفن.
في المحصلة النهائية، تأمين السفن في هرمز ليس مجرد مسألة تجارية، بل هو مؤشر على استقرار النظام البحري الدولي بأسره. ارتفاع التكاليف إلى هذه المستويات يعكس أزمة عميقة في هذا النظام، ويستدعي تفكيراً جادياً في آليات جديدة لحماية الملاحة في الممرات المائية الحيوية.
المصدر: يلا نيوز نت